الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
152
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الناس في الجاهلية ، فكانت سبب التقاتل بين القبائل ، بعضها مع بعض ، وبين بطون القبيلة الواحدة . وأقوالهم في ذلك كثيرة . ومنها قول الفضل بن العبّاس اللهبي : مهلا بني عمّنا مهلا موالينا * لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا اللّه يعلم أنّا لا نحبكمو * ولا نلومكمو أن لا تحبونا فلمّا آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم انقلبت البغضاء بينهم مودّة ، كما قال تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] ، وما كان ذلك التآلف والتحابّ إلّا بتقدير اللّه تعالى فإنّه لم يحصل من قبل بوشائج الأنساب ، ولا بدعوات ذوي الألباب . ولذلك استأنف بعد قوله : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ قوله : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ استئنافا ناشئا عن مساق الامتنان بهذا الائتلاف ، فهو بياني ، أي : لو حاولت تأليفهم ببذل المال العظيم ما حصل التآلف بينهم . فقوله : ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مبالغة حسنة لوقوعها مع حرف ( لو ) الدالّ على عدم الوقوع . وأمّا ترتّب الجزاء على الشرط فلا مبالغة فيه ، فكان التأليف بينهم من آيات هذا الدين ، لما نظّم اللّه من ألفتهم ، وأماط عنهم من التباغض . ومن أعظم مشاهد ذلك ما حدث بين الأوس والخزرج من الإحن قبل الإسلام ممّا نشأت عنه حرب بعاث بينهم ، ثم أصبحوا بعد حين إخوانا أنصارا للّه تعالى ، وأزال اللّه من قلوبهم البغضاء بينهم . و جَمِيعاً منصوبا على الحال من ما فِي الْأَرْضِ وهو اسم على وزن فعيل بمعنى مجتمع ، وسيأتي بيانه عند قوله تعالى : فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ في سورة هود [ 55 ] . وموقع الاستدراك في قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ لأجل ما يتوهّم من تعذّر التأليف بينهم في قوله : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي ولكن تكوين اللّه يلين به الصلب ويحصل به المتعذر . والخطاب في أَنْفَقْتَ و أَلَّفْتَ للرسول صلى اللّه عليه وسلم باعتبار أنّه أول من دعا إلى اللّه . وإذ كان هذا التكوين صنعا عجيبا ذيّل اللّه الخبر عنه بقوله : إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي قوي القدرة فلا يعجزه شيء ، محكم التكوين فهو يكوّن المتعذر ، ويجعله كالأمر المسنون المألوف .